السبت، سبتمبر 10، 2011

حماقات رجل - الفصل الأول


بكل معاركي .. بكل خساراتي و انتصاراتي .. أعترف أنكِ كنتِ و لازلتِ أكبر لغز بحياتي ..

بكل نضجي .. بكل ترهاتي .. دوماً كنتِ تلك الحقيقة الملتحفة بأكبر كذبة سكنت جنباتي ..

مازلت أذكر أول مرة رأيتك بها ، لا أعلم هل كنتِ أنثى في زي طفلة أم طفلة في زي أنوثة ماردة ، هل كنتِ من بنات الأنس أم جنية متأججة ..

يومها لمحتك صدفة ، لم تملك عيناي سوى أن تَتْبَعُكِ ، أخذت أتَتَبَعُ سيرك من بعيد ، لم أكن أعلم حينها أني سوف أجابه خطر العمل معك أو أنكِ ستكوني أكبر خساراتي و أنني يوماً من فرط ولهي سألعنك ..

سمعت أحدهم يومها يذكرك .. وجه إلىَّ كلماته :

- تلك الموظفة الجديدة .. أظن أنها سوف تعمل معك ..

- أردفت : تبدو كطفلة بريئة ..

- عقب بشكل صادم : ثمرة ناضجة .. نار حذار منها تحترق ..

على قدر إزدرائي لقوله إلا أن كلماته أثارت شيئاً في نفسي .. توقف الحديث .. قهقهنا بدافع التباهي الرجولي المفترض ..

غبتِ عن ناظري .. كان رؤيتك بمثابة حجرة ألقيت في بحيرة قلبي .. لن تعود البحيرة كما كانت قط ..

مرَّ يومان .. هرج و مرج في المكان ، حديث عن الموظفة الجديدة .. هيئتها .. ملبسها .. ابتسامتها .. زينتها ..

فجأة وهج يكسر العين .. أشرقت شمس اليوم ، أشرقتي سيدتي .. أم أقول غريمتي و ملهمتي ..

كان الإشراق هو التعبيرالأدق و الأقوى لإطلالتك الأولى .. كان سلامك كقطرة ندى انسابت على الكون و بالطبع كان لصوتك أعمق أثر بالقلب ..

ارتديت حلة الوقار .. عَدَّلْتُ من جلستي لتناسب خريف العمر .. تورات خلف الأبوة المزعومة نظرة تشي بفحولة في حالة انفجار و هزة عنيفة أصابت القلب ..

رَدَدْتُ عليكِ سلامك بقدر من الحنكة و المكر .. فرجل احترف الحرائق لن تصعب عليه المداهنة في خريف العمر ..

مرت الأيام .. غير أنه معكِ دوماً نكهة اليوم لا تشبه الغد ..

كنتِ تنضجين أمامي يوماً بعد يوم ، و كانت علاقتنا تتوطد كأستاذ لا يضن على تلميذته بشيء قط أو هكذا اخترت أن أخفي عنكِ و عن الكون الأمر ..

كنت كأسفنجة امتصصتي كل ما كَدَدْتُ لتحصيله على مدار العمر ، شرهة في تحصيل العلم .. لا يضاهيكي رجل أو امرأة في إتمام أمر ..

و سرعان ما تحولتي من طفلة تتلمس خطواتها الأولى ممسكة بيدي إلى معلمة باتت تضرب عليها..

لا أستطيع أن ألوم فيكِ ذكاءك و طموحك كما لا أستطيع أن أن ألوم بكِ ولهي و افتتان فحولتي ..

كوني رب أسرة لم يمنعني من تدلهي بك .. شعري الأبيض و كلمة "أبي" تتردد على مسامعي لم تمنع القلب من الحلم ..

مع كل يوم كنتِ تعيدين لي ما ضاع من العمر و سريعاً ما عدت في عشقك طفل.

سحرتني إطلالتك .. أسرني كلامك العذب ، ملكتي علي العقل و القلب حتى بت أنادي من حولي هذياً باسمك .. كنت أخفي حرجي مما أصابني بالتهكم و كأني افتعلتها عن عمد ..

أعدتي إلي الطفولة و الشباب كما أعدتي بحضورك كل الترهات .. أستعدت عمر سلب مني بنظرة عين .

آهٍ كم أنت ماكرة ..

أتعلمين .. انقضى شبابي في الركض ، كنت أسابق الحياة .. أجتهد في العمل و سريعاً ما تزوجت كعادة هذا الوقت .. تزوجت و أنجبت و لم أستشعر من شبابي ما استشعرته بنظرة منك قط .

من المثير للسخرية أن لي ابنة تقترب منكِ في العمر .. يالها من سخرية موجعة و لكن على من يعشقك أن يعتاد دروب الجنون و أروقة الخسارات المفجعة ..

من أنتِ يا امرأة؟! .. دوماً مشتعلة .. دوماً موجعة ..

أتعلمين .. عشقك كما الخمر يذهب العقل .. و كنت أنا سِكِّيرك الذي ما انفك يتمرغ في تدلهه حتى استفاق على ألم يشدح الروح .. يشج الرأس ..

برغم كل ما كنت أعلمه عنكِ .. عن كبرياءك و عنادك .. عن ديكتاتوريتك و الأكثر عن إستقلاليتك و صلابة إلتزامك إلا أني بسفاهة عاشق توهمت امتلاكك ..

أثملتني الأماني حتى جاء يوم النزال .. حدث ما لم يخطر لي يوم ببال ، كان هذا أول صدام يحدث بيننا في العمل ، من الصدمة و الذهول أكثر مني خصم كنت شاهد عيان ..

لأول مرة يتكشف غموضك عن ذاك الوجه .. وجه شرس يدافع بضراوة محارب فحل .. أعلم كان لكِ كل الحق في ذلك النزال و أن مثلك لا يساوم على مبادئه قط .. و أنني أنا من اعتدت الدهاء قد داهمني سيل من الغباء .. فسلكت معكِ درب من دروب المحال ..

كيف لم أعِ أن امتنانك لما أَشْرَبْتُكِ إياه لن يمنعك من النزال معي .. على قدر زهولي على قدر ما خالطني تجاهك شعور بالإعجاب و الحنق ..

فَتَنْتِني حتى في نزالي معك و لكن ذكورتي حنقت عليكي و أخذت تلعنك ..

كان هذا النزال بمثابة نقطة تحول في علاقتنا .. تحولنا من أستاذ و تلميذة .. من زميلين إلى خصمي نزال دوماً في حالة صخب مرتقب ..

أعتقد أن حضورك كان دوماً مدعاة للإرتباك .. مدعاة للقلق ..فقد مر على علاقتي بك ثلاث سنوات و لم أستطع أن أعلم هل شغلت و لو للحظة تفكيرك كما هو معي الحال أم ترهاتي درب من دروب المحال.

كثيراً ما حيرني ذاك التناقض الحاد بشخصيتك .. فدوماً كانت العذوبة و الشراسة وجهين صادمين سواء لمن يعرفك أو من يجهلك ..

إنه لمدعاة للسخرية أنه على كثر ما قابلت بعمري من النساء تجيء نهايتي على يدك ..

ألا تشعرين بي؟! .. ألا تراني عيناك؟! ..

من أنت يا امرأة تحترف البرود لهواً؟! .. من أنت حتى أمطارك تساقطت داخلي ثلجاً؟! .. من أنت أحلتني من رجل إلي صبي قهراً؟! ..

بات كل شيئاً سواكي بارداً .. باتت الحياة من دونك علقم ، كنت أهادنك و أصلك في حلمي سراً .. و أكيد لكِ و أبغضك جهراً .. و ما كانت مكائدي و بغضي حد التطرف سوى عشقاً ..

أهدرت سنون العمر لأجلك .. حتى بعدما تزوجتي .. و إن لم تعلمي فتلك كانت أفجع خساراتي أمام عرشك آسرتي ..

ـــــــــــــــــــــــ

تحياتي

رانيا حمدي

الجمعة الموافق 9/9/2011

الساعة 10:00 مساءاً

1 التعليقات: