الخميس، أكتوبر 13، 2011

حماقات رجل - الفصل الثاني - موناليزا

مشهد رقم (1):
أول لقاء .. قبيل الفجر بساعات قليلة .. بكل الحزن .. بكل السحر أطلت من شرفتها ..
تنعكس أشعة القمر الفضية على ملامحها .. يغمرها ضوء القمر .. بشيء من السحر تشع تتلألأ ..
بملائكية .. بدفء ترنو بعينيها إلى السماء .. تحملق في هدوء لبرهة و كأن نفسها تحاول أن تهدأ ..
دمعة تقطر من عينيها .. تواري دمعتها بتمريرة رقيقة من أناملها على وجنتها .. لرأسها تطأطيء ..
في لحيظات اختفت .. اغلقت أمام انبهاري شرفتها .. أنوار منزلها كما أحلامي انطفأت .

مشهد رقم (2):
تأسرني صاحبة الشرفة .. باتت جوارحي تتلمس رؤيتها .. شيء ما يدب بقلبي .. شعور يزداد يوماً بعد يوم ..
كانت كالموناليزا وجه لكل يوم .. نظرة لا تحترف سواها عين ..
حتى أنك تظن بأنها بين نهار و ليل تختلف .. تتجدد بين الألوان كما لم يتأتى لأنسية قبلها ..
بكثير من الجهد و المثابرة أمام شرفتها .. حفظت عن ظهر قلب مواقيت إشراق و غروب شمسها ..
باتت شاغلي الأوحد .. و بات حلمي اصطيادها .. عذراً أقصد اقتنائها.

مشهد رقم (3):
في غرفتي .. على سرير الأرق أستلقي على ظهري أسامر طيفها .. أقضي لياليّ لا تفارقني عيناها ..
أتساءل لماذا كل هذا الحزن يملأها ؟؟ .. لم أرَ بحياتي امرأة يكمن سحرها بدمعتها .. كلما اعتصرها الألم كلما تألقت نجمتها ..
بدأت أحوالي تتبدل .. كنت أراها فيمن حولي .. ابتسم كلما لمحت بعيون من حولي نظرتها .. فجأة أصبحت الكون و أصبح الكون كله هيأتها ..
انتابتني حالة من النشاط و السعادة .. حالة من السلام و السماحة تتملكني .. حتى أني كنت كأسد دائم الزئير في عملي .. جاد حاد متوحش .. فجأة تبدد غضبي ليتحول إلى ابتسامات و ضحكات .. علاقاتي توطدت مع من حولي .. أصبح كل من يحيط بي يعجبه أن يرافقني .. في عشقها توالت على قلبي النفحات .. و هاهي نفحة من نفحاتها طالت عملي .

مشهد رقم (4):
بعد يوم عمل شاق خرجت مع أصدقائي للغذاء .. اختلفنا أي مكان سوف نقصد .. اقترح أيمن أن نذهب إلى المطعم القابع على ناصية شارع المكتب الذي نعمل به .. لاقى اقتراحه رفضاً عاماً .. اقترحت نهال مطعماً حدثتها عنه صديقة لها دائمة التردد عليه .. هاديء .. راقي .. لديه مجموعة من الأغنيات القديمة لفيروز و أم كلثوم و أيضاً أغنيات كلاسيكية أجنبية من عهد الستينيات .. لاقى اقتراحها استحسان لدى الجميع ..
ركب كل منا سيارته .. توجهنا لذلك المطعم القابع بمنطقة لوران ..
في خلال نصف ساعه كنا قد وصلنا .. ارهقتنا زحمة السيارات .. ارهقني إليها الاشتياق ..
دخلنا المطعم .. طلب كل منا طلبه .. طلبت طبقاً من صدور الدجاج المقلي و طبق من البطاطس و شوب من البيبسي .. جاءت الطلبات .. انهمكنا في الطعام .. كنا كمن طال جوعه لسنوات .. انهينا طعامنا و أخذنا نتسامر و نضحك .. أذكر أني كنت أشرب البيبسي عندما اقتحم سحرها المكان ..
كان دخولها المطعم يشبه أفلام السينما الأمريكية القديمة .. عندما تدخل البطلة متلألئة في معطفها مبللة بقطرات المطر .. يطيّر الهواء أطراف فستانها .. تغلق شمسيتها .. تنفض قطرات المطر برقة عنها .. تبتسم للنادل في ملائكية مما ينم عن أنها دائمة التردد على المكان و أنه يعرفها .. تتوجه نحو طاولة معينة في زاوية المطعم .. تعلق شمسيتها على طرف المقعد .. تضع عليه حقيبتها .. تجلس على المقعد المجاور له ..
أراها بزاوية جانبية .. أتابع حركاتها .. تخرج من حقيبتها دفتراً صغيراً و قلماً وردياً ذا رأس تحمل بعض من الريشات الوردية .. رغم أنوثتها كانت طفولية .. ابتسامة تباغت شفتيّ ..
يأتي النادل حاملاً فنجاناً من القهوة مع قطعة من الكيك بالشيكولاته الشهية يرافقهما كأس من عصير البرتقال .. لم تتكبد عناء الطلب .. أحضر لها النادل مطلبها بعد دقائق من جلوسها .. كان كل من بالمكان يعرفها .. كان لها مكانها الخاص كما كان لها سحرها .. لها طلب محدد و غريب في تنوعه و فوضويته ..
بدأت بتناول قطعة الكيك بالشيكولاته في رقة و نهم جميل .. أنهت القطعة تماماً مما دل على عشقها للشيكولاته .. أشارت للنادل بعينها في دلال بالغ فذهب لفعل شيء لم أكن أعلمه و في غضون لحيظات عاد و نظر إليها كمن يخبرها بإتمام مهمة .. لم يمض وقت لأتساءل فيه عن ماهية المهمة فقد انصت الجميع حين سمعنا فيروز تشدو بصوتها الحالم "حبيتك تنسيت النوم" .. ابتسمت له في حنو كمن يكافئه .. عادت بنظرها إلى ذاك الدفتر الصغير القابع بين يديها .. فتحته .. انتقت صفحة مناسبه لما أقدمت على كتابته و قبلما تمسك بالقلم امسكت بكأس البرتقال و أخذت ترتشف منه مع الإنصات التام لصوت فيروز و التركيز معه .. مع نهاية الأغنية كانت قد انهت كأسها .. أمسكت بمحرمة .. جففت أطراف شفتيها في نعومة .. أمسكت بقلمها و أخذت تكتب في انهماك شديد .. تارة تبتسم .. تارة تدمع .. تارة تتجهم .. كانت كمن يشاهد فيلماً و يتأثر به ..
كنت من التركيز معها بأن نسيت من حولي و انفصلت عنهم بروحي تماماً و ذهبت إليها .. بدأ أصدقائي يلاحظوا افتتاني بتلك الأميرة الجالسة أمامي .. نغزني أيمن في كتفي قائلاً (إيه يا عم الحبيب .. تعرفها ؟؟) أفقت من ولهي ناظراً إليه في حدة من حُرِم بفعلته منها .. أخرجني من الجنة .. تركتهم دون كلمة واحدة .. توجهت إليها ..
في تلك اللحظة كانت ترتشف قهوتها .. عندما باغتها قائلاً (مساء الخير .. ممكن أقعد مع حضرتك ثواني) هالها فعلي و لم تنبث ببنت شفاه .. ظلت تحملق في في دهشة و استغراب شديدين ..
سحبت الكرسي المقابل لها .. جلست أنظر إليها في صمت تام .. تبادلنا النظرات .. شعرت للحظة بأنني إن لم أتكلم سوف يتسم موقفي بالبله و أني بدأت أسبب لها القلق .. ابتلعت ريقي .. توجهت إليها بنظرة ثابته .. قولت لها ( أنا بشوفك كل يوم في البلكونة .. أقصد أنا جاركم .. أنا أحمد .. ممكن تسمحيلي أخد رقمك و الله أنا عارف أنه موقف مخيف و غريب بس أنا إسمي أحمد .. مهندس و بشتغل في مكتب للدعاية و الإعلان .. عندي 32 سنة و جاركم و عايز اتعرف عليكي بكل أدب و ذوق و الله .. ممكن )
هي مازالت تنظر في ذهول .. امسكت هاتفها الجوال و طلبت رقمي .. ظهر رقمها على هاتفي .. سجلت لها رقمي على هاتفها .. مددت يدي إليها بالهاتف قائلاً ( أحمد .. جاركم .. هكلمك أو كلميني ها .. اتفقنا ) تسمرت .. لم تتحرك و كنت أعذرها فموقف مماثل لا يحدث كل يوم و خاصة مع فتاة مثلها بكل هذا القدر من الاتزان و الحزن و السحر .

مشهد رقم (5):
أجلس في غرفتي أنظر لهاتفي .. أعزم الأمر على الاتصال بها ثم أعود للتردد .. تارة أمسك به و تارة أتركه .. أقطع الغرفة ذهاباً و إياباً .. أتوجه صوب الشرفة .. أنوار غرفتها مطفأة .. يقتلني الانتظار و القلق ..
فجأة أضاءت أنوار الغرفة .. طيف يتحرك صوب الشرفة .. أطل قمر الليلة ..
بمجرد أن أطلت من الشرفة .. كان وجهي يستقبلها .. تسمرتُ أمام طلتها في ذهول و أيضاً في بله مبتسماً .. أعتقد أنها أشفقت علي من تلك الابتسامة البلهاء .. تبسمت في حنو و خجل شديدين .. أشرت لها مستأذناً في الاتصال .. أومأت برأسها موافقةً ..
حينها قفزت فرحاً .. انطلقت إلى الغرفة .. هاتفتها .. لأول مرة أسمع صوتها .. ذبت ولهاً ..
في البداية ساد الحرج الأجواء ثم ذبنا معا في بحور الكلام .. سهرنا يومها نتحدث حتى الفجر .. كأننا عرفنا بعض لسنوات ..
أغلقنا سماعة الهاتف مع أول ضوء للنهار .. بدلاً من النوم توجهت إلى الحمام .. أخذت حماماً بارداً أملاً في أن أفيق فأمامي يوم عمل طويل و صعب .. أو لوهلة هذا هو ما تصورت ..
ارتديت ملابسي .. تأنقت .. نزلت على السلالم وثباً كأيام المراهقة .. رافقتني أغنية أم كلثوم سيرة الحب و خاصة كوبليه (و قابلتك انت لقيتك بتغير كل حياتي) طوال الوقت ..
كنت أطفو لا أمشي على الأرض .. داعبت كل من حولي .. شاكستهم .. كان أحلى يوم .. و لكن دوماً معها كان الأحلى لم يأت بعد ..
مرت أيامي معها في لهو .. في عشق .. في سحر .. بدأ حزنها يتبدل فرحاً رغم مسحة الألم التي أحياناً ما كانت تستبد بها ..
ثلاثة أشهر من الفرح .. ثلاثة أشهر حب .. ثلاثة أشهر في الجنة لا على الأرض ..
و رغم كل ذلك بكل الغباء في العالم من يدي أفلتها .. تتساءلون كيف ؟..
لا أعلم أهذا حال الرجال جميعاً أم ماذا و لكن هذا ما كان مني لها .. فجأة بدأت أفقد إهتمامي بها .. كانت كنجمة صعبة المنال و فجأة تملكتها .. كان لها وهج و لكن وهجها أصبح لي لا لها ..
كنت كشحاذ يجلس على شاطيء البحر ناظراً إلى السماء و إذ بسيارة مرسيدس تسقط له .. فإذا به بدلاً من أن يشكر يفكر لماذا لم تكن بدلاً من المرسيدس سيارة بي إم ..
كم هو غريب حالنا نحن الرجال .. نظل نركض وراء المرأة حتى تسقط في شباكنا ثم .. ينتهي فجأة الأمر..

مشهد رقم (6):
بدأت ألتهي بحياتي مرة أخرى .. بت أنساها أحياناً .. و قليلاً ما كنت بمهاتفة أذكرها .. و فجأة انقطعت عنها .. كانت قد هاتفتني بضع مرات في أول الأمر و لكنها توقفت أمام تهربي منها ..
مر شهران كاملان .. كنت أجلس مع أصدقائي في مقهى على البحر .. حين سألتهم عن سبب تغيب صديقتنا نهال عن العمل .. فأجابني أيمن بأن أقرب صديقة لها في المشفى و أنها تعد في أيامها الأخيرة من الحياة و بالتالي فهي لا تستطيع سوى أن ترافقها ..
لا أعلم لماذا ذكرني ذلك بها .. ترتكت أصدقائي و عدت إلى المنزل .. خرجت إلى الشرفة بعد هجر دام شهران كاملان .. انتظرت خروجها في موعدنا و لكنها لم تأت ..

مشهد رقم (7):
مر أسبوع و أنا في انتظارها .. أحاول مهاتفتها و لكن لا سبيل للوصول لها .. إما أنها لا ترد و إما تجيبني والدتها .. فأغلق السماعة في وجهها ..
استبد بي القلق .. كادت رأسي تنفجر من الاسئلة .. قتلتني الحيرة .. أظلمت غرفتي .. جلست مستلقياً تحت شرفتها .. أنظر للقمر ..
رأيت وجهها يشعل القمر .. ابتسامتها .. تفاصيل وجهها .. تبسمت و أغمضت عيني على حبها .. فجأة أفقت على غدري بها .. على وقوفي عاجزاً أمام تساؤلاتي لماذا فعلت ذلك بها ..
لا أجد سبب سوى أنه استبد بي غروري و غرتني ذكورتي .. آه كم نحن الرجال أغبياء .. كم نخلط الثمين بالرث و كم تضلل أذهاننا الحياة ..
صمت لبرهة .. صرخت في رعونة من توصل لجواب عن جل أسئلته (بحبها .. و الله العظيم بحبها) .. نهضت لأهاتفها .. عزمت على أني سوف أنزل و أطرق بابها إن لم تجيب ..
اتصلت .. رن الهاتف .. لا اعلم لماذا تلك المرة بالذات عن يقين انتظرت صوتها .. انفتح الخط .. ألو
صمت لبرهة .. هذا ليس صوتها .. نهال؟!
خلفية من الصراخ و البكاء الشديدين .. صوت نهال يبكي .. "حياة" ماتت يا أحمد .. ارتحت .. ماتت خلاص .. ماتت يا أحمد ..
انقطع الخط .. سقط الهاتف من يدي .. ارتميت على الأرض في حلكة الغرفة .. في حلكة الليل ..
ظللت جالساً على الأرض في ذهول .. ماتت!!!
ماتت حياة .. و ماتت حياتي معها .. بعد أشهر من الانقطاع عن الحياة و العمل قررت نهال أن تزورني .. فوجئت بها أمي تطرق بابنا .. رحبت بها و أدخلتها إلى غرفتي .. كادت أمي تفتح ستائر غرفتي بغية الضوء من أجل الضيفة و لكني رفضت .. تركت أمي باب الغرفة مفتوحاً و غادرتنا .. جلست نهال أمامي .. جلست تتأملني .. ثم بعد صمت طويل تكلمت قائلةً (كنت عارفة كل حاجة .. كانت بتحبك بجد ) بكل الحزن والألم إليها نظرت .. أردفت ( أنت كنت آخر أمل ل "حياة " في الحياة .. كانت عارفه إنها مسألة وقت قبل ما يخطفها الموت .. كانت بعيد عن العالم و أنت اللي قربت ) طأطأت رأسي ألماً .. انهمر من عيني الدمع .. أكملت كلماتها (معاك عرفت معنى الحياة .. معاك عرفت يعني ايه حب .. ليه بعدت .. ليه استعجلت النهاية .. هو بالسهل كده إنك تكسر قلب ؟! .. ) تنهمر دموعي في خزي بشدة .. تنهي قولها (أنا مش مستنية منك رد .. كل اللي جيت أقولهولك إنها كانت بتحبك بجد و إنك لو مكنتش أد حبها ده في حياتها لازم تحترم حبها في الموت .. لازم ترجع أحمد اللي حبته .. إرجع لحياتك و صحابك و شغلك .. قبل ما تموت وصتني أقولك إنها بتحبك و إنها مسامحاك .. بتقولك هي هتطمن عليك من مكانها في السما فوق .. اختار أحلى نجمة في السما و تخيلها دايما متبعاك ) ..
كان لكلمات نهال وقع كبير علي .. عدتُ بعد التيه إلى العمل أو عاد طيفي .. أكملت حياتي .. بعد فترة من الوقت تزوجت و أنجبت .. بالطبع لم أجد مثل "حياة " .. كانت أنثى ذات مذاق خاص .. كانت تلك الفوضى المرتبة .. كانت " حياة " أشهى و ألذ أنثى في الحياة ..
لم تقف الحياة و لكنها توقفت بقلبي عند "حياة " .. باتت كل شرفة أطل منها نافذة تطل على سحرها .. كل نجمة تتلألأ تحمل بسمتها .. كل قمر يعكس وجهها .. قتلتها ألماً فقتلتني عشقاً .

ـــــــــــــــــــــــ
تحياتي
رانيا حمدي
14/10/2011
1:50 صباحاً

0 التعليقات:

إرسال تعليق