
على الشاطئ الصخري المجاور للقلعة بمنطقة بحري ..
جلست أمام البحر مباشرة .. تستمع لهمس البحر و حكايات الهواء الحر الطليق و طيور النورس تحلق حولها تزين سماء لوحتها بذاك الفضاء الفسيح..
متأملةً المدى البعيد .. تتردد على مسامعها أغنية فيروز " كيفك أنت " تحملها الكلمات إلى أول دقة قلب .. أول رجفة جسد .. أول لمسة يد حملتها إلى نفس المكان منذ زمن بعيد ..
كانت تجلس نفس الجلسة و بجوارها رجلها الأول و الأخير .. حبيبها الوحيد .. و تذكرت تسارع دقات قلبها و ارتعاش أنفاسها مع أول لمسة يد من يد الحبيب ..
تذكرت التقاء نظراتهما و ذاك الشوق الرهيب .. كلماته الرقيقة و زهرة حمراء يداعب بها ملامحها بفيض من الحنان لأعتى القلوب يذيب..
مع هذا الفيض الحاني .. مع الذكريات أغمضت جفنيها للحظة مبحرة مع حبيبها إلى سماء خيالي بعيد ..أمسك يدها .. جذبها برقةٍ إلى صدره .. أراح رأسها على كتفه .. احتواها داخله و بحنو شديد راقصها ..رقصا .. و تداعبا .. ضحكا .. و تضاربا ، تبادلا نظرات تملأها أشواق دفينة من زمن بعيد ..
سمعت صوته يردد على مسامعها أحلى كلمة .. كلمة هجرتها منذ أمد بعيد .. سمعته يهمس بأذنيها " أحبك " .. و شعرت بشفتيه تلمس في رقة و حرارة وجنتها و قشعريرة تهاجمها .. تزلزل حصونها .. تمتلكها .. و شعرت بذراعية بقوة إلى صدره تجتذبها ..
و فجأة انتبهت على صوت بائع الشاي و القهوة يسألها بماذا يستطيع أن يخدمها .. فتبسمت و طلبت فنجان من القهوة اعتادت عليه في وحدتها يؤنسها ..
تنهدت تنهيدة قوية .. تنهيدة عاشقة أذابتها الذكريات .. و نظرت للبحر بعينيها متبسمة و كأنها تسأله يا ترى كيف هي مع حبيبي الذكريات؟..
صمتت في سكينة و الابتسامة تعلو وجهها .. تأملت صفحة البحر الصافية و أمواجه الهادئة .. شعرت و كأنها تنبض كما لو أنها تقول لها بأنه مازالت هناك فرص للحياة ..
و تأكيداً على روح المرح للكون المحيط و التي أصر أحد طيور النورس على أن يثبتها بحرارة حيث فعل فعلته على قميصها و التفت هارباً في الفضاء البعيد .. مما أثار ضحكها فقهقهت و كأنها قامت من ثبات عميق ..
شربت قهوتها .. و قامت قاصدة منزلها .. ركبت سيارتها .. مدت يدها لتشغل الراديو فإذا بصوت فيروز يشدو بآخر مقطع من أغنيتها " ترجع ع راسي رغم العيال و الناس .. أنت الأساسي و بحبك في الأساس بحبك أنت " ارتسمت على شفتيها بسمة تملأها السعادة ..
أدارت مفاتيح سيارتها .. راضية عن يومها تملأ السعادة قلبها متجهة إلى منزلها ..انطلقت بالسيارة .. داهمتها زحمة المواصلات و السير فقد كانت هذه ليلة الجمعة .. توقفت بإحدى الإشارات .. لم تبالي بكل هذا الملل و لا بتلك الزحمة الخانقة ..
و فجأة جذب مسامعها صوت لم تحلم حتى أن تقابله .. نظرت إلى مصدر الصوت .. السيارة المجاورة لسيارتها لتجد أميرها رب أسرة تجلس بجانبه زوجته و يحيطه أطفاله و صوته يعلو غاضباً ثائراً على زحمة المرور أو على زخم الحياة ..
تحملق فيه و هي مذهولة مما رأت و من صدفة انتظرتها مطولاً و تمنتها على مدار الليلات من حلم ظل يداعب عتم ليلها في تلك الحياة..
فتحت الإشارة و انطلق هو بسيارته مختفياً بين جموع السيارات ..
ما كان منها إلا أن ركنت جانباً محاولتاً استرجاع ما خار من قواها ..
سكنت للحظات .. تيقنت أنها اليوم تعلمت درس جديد .. تعلمت أن الحياة لا تقف عند شخص مهما كانت أهمية ما لعبه من دور في حياتنا و أن العمر لا ينتهي إلا بالممات .
................................................
انتظروني مع الفصل الرابع السبت المقبل بإذن الله
..............................................
تحياتي
رانيا حمدي
15/8/2009
8:47 مساءاً